موقع الإعلامي فايز أبو عيد

50 عائلة من فلسطينيي العراق في سوريا.. لجوءٌ ممتد ومعاناة تبحث عن حل دائم


بغداد – حسن الخالد – قدس برس|أكتوبر 31, 2026 4:14 م

تعيش نحو 50 عائلة من فلسطينيي العراق المقيمين في سوريا أوضاعاً إنسانية وقانونية معقدة، بعد أكثر من عقدين على موجة النزوح التي دفعتهم إلى مغادرة العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003. وبين أعباء الإقامة المتكررة وتراجع المساعدات الإنسانية وغياب الحلول الدائمة، تجد هذه العائلات نفسها عالقة في حالة من “اللجوء المركب” الذي راكم فصولاً جديدة من المعاناة فوق نكبة اللجوء الأصلية.

وتعود بداية هذه الحكاية إلى السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق، حين تعرض اللاجئون الفلسطينيون هناك لسلسلة من عمليات الاستهداف والتضييق في بغداد ومدن عراقية أخرى، ما دفع آلاف العائلات إلى الفرار نحو الحدود السورية بحثاً عن ملاذ آمن.

ومع إغلاق الحدود آنذاك، أُقيمت مخيمات مؤقتة لهم في مناطق صحراوية قاسية، أبرزها مخيم “التنف” الواقع بين الحدود السورية والعراقية، ومخيم “الوليد” داخل الأراضي العراقية. وبين عامي 2006 و2009 تمكنت مئات العائلات من دخول سوريا، حيث استقر قسم منها في مخيم “الهول” بمحافظة الحسكة، فيما انتقل آخرون إلى مخيم اليرموك في دمشق، ليصل عدد الأسر الفلسطينية القادمة من العراق إلى نحو 800 عائلة.

ومنذ ذلك الوقت، عاشت هذه الشريحة تجربة لجوء استثنائية، إذ غادر معظم أفرادها سوريا لاحقاً عبر برامج إعادة التوطين قبل اندلاع الأزمة السورية، أو من خلال مسارات الهجرة التي توسعت بعد عام 2011، فيما بقيت داخل البلاد الفئات الأكثر هشاشة وفقراً والأقل قدرة على المغادرة.

وعلى امتداد أكثر من 15 عاماً، ظل فلسطينيو العراق في سوريا يواجهون واقعاً قانونياً وإنسانياً بالغ التعقيد. فهم لا يحملون الوثائق الممنوحة للاجئي فلسطين المقيمين في سوريا منذ عام 1948، كما لا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، ما أبقاهم في حالة من الهشاشة القانونية والاقتصادية انعكست على مختلف جوانب حياتهم.

واقع قانوني يفاقم المعاناة
وفي حديثه لـ”قدس برس”، قال عضو لجنة فلسطينيي العراق في سوريا، أيمن زكي، إن عدد العائلات المتبقية حالياً لا يتجاوز 50 عائلة، تشكل الأرامل والمطلقات وكبار السن النسبة الأكبر منها، وهي فئات تعاني ضعفاً اقتصادياً واجتماعياً في ظل غياب المعيل ومحدودية فرص العمل.

وأضاف أن اشتراط تجديد الإقامة كل ثلاثة أشهر يفرض أعباء مالية وإدارية متواصلة على هذه الأسر، التي تكافح أساساً لتأمين احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي يجعلها عرضة للقلق المستمر من الوقوع في مخالفات قانونية أو تحمل غرامات مالية إضافية.

وأوضح زكي أن ممثلي هذه العائلات تقدموا بعريضة إلى مسؤولي الأمم المتحدة باسم اللاجئين الفلسطينيين القادمين من العراق والمقيمين في سوريا، طالبوا فيها بلقاء مسؤول رفيع في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للاستماع إلى أوضاعهم بصورة مباشرة، والعمل على إعادة توطينهم في دولة ثالثة إلى حين تمكينهم من العودة إلى فلسطين، فضلاً عن شمولهم بالمسارات التي أعلنت عنها الحكومة البريطانية لاستقبال بعض الفئات الإنسانية.

ملف يتراجع حضوره
من جانبه، رأى مدير “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، فايز أبو عيد، أن تراجع الاهتمام بملف فلسطينيي العراق لا يرتبط فقط بانخفاض أعدادهم، وإنما يعود أيضاً إلى غياب المتابعة المؤسسية الكافية لقضيتهم رغم خصوصية أوضاعهم القانونية والإنسانية.

وأوضح لـ”قدس برس” أن الهجرة وإعادة التوطين، إلى جانب التطورات التي شهدتها سوريا بعد عام 2011، أسهمت في تراجع حضور القضية في الخطاب الإعلامي والرسمي، مشدداً على أن محدودية عدد العائلات المتبقية ينبغي أن تدفع نحو اهتمام أكبر بملفها، لا إلى تجاهله.

وأضاف أن كل عائلة تمثل حالة إنسانية وحقوقية مستقلة تستحق المتابعة والتوثيق، محذراً من تحول القضية إلى ملف منسي مع مرور الوقت. وأكد أن معالجة هذه المعاناة تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بتحرك دبلوماسي فاعل من قبل سفارة السلطة الفلسطينية في دمشق لنقل مطالبهم إلى الجهات السورية والدولية المختصة، والعمل على تسهيل حصولهم على الوثائق والإقامات والحقوق الأساسية، وصولاً إلى حلول دائمة تراعي كرامتهم وحقهم في الاختيار الطوعي والآمن.

كما شدد أبو عيد على أهمية إبقاء القضية حاضرة في التغطية الإعلامية بوصفها ملفاً حقوقياً وإنسانياً يحتاج إلى متابعة مستمرة، وليس قضية هامشية أو مؤقتة، مؤكداً أن المطلوب هو الوصول إلى وضع قانوني وإنساني مستقر يضمن لهذه العائلات حياة كريمة بعيداً عن الحلول المؤقتة.

تراجع المساعدات وتفاقم الاحتياجات
وعلى الصعيد الإنساني، كشف الناشط المدني عمار برهم عن تزايد الضغوط المعيشية التي تواجهها هذه العائلات نتيجة تقليص المساعدات المقدمة من المؤسسات الدولية والإغاثية، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.

وقال لـ”قدس برس” إن بعض العائلات تعرضت لوقف المساعدات بشكل كامل من دون توضيحات كافية أو آليات اعتراض فعالة، ما زاد من معاناتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وأضاف أن المبادرات الفردية وجهود النشطاء مستمرة لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للاجئين الفلسطينيين القادمين من العراق، إلا أن الإمكانات المتاحة محدودة ولا توفر حلولاً مستدامة، الأمر الذي يفاقم من حالة الهشاشة التي تعيشها هذه الفئة منذ سنوات.

وبين تراجع الدعم الإنساني وتعقيدات الوضع القانوني وغياب الحلول النهائية، تبقى العائلات الفلسطينية القادمة من العراق في سوريا عالقة بين محطات متتالية من اللجوء والانتظار، فيما يزداد خطر تحول قضيتها إلى ملف منسي رغم محدودية عدد المتضررين وإمكانية إيجاد معالجات أكثر استدامة لمعاناتهم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *