
فايز أبو عيد
لا حاجة اليوم لبيانات منمّقة، ولا لتبريرات باردة، ولا لخطابات استعطاف تُلمّع الصور وتبحث عن دورٍ على حساب الحقيقة، فالمشهد بكل قسوته، لا يقبل الزخرفة، ولا يُختصر بعبارات دبلوماسية تُرضي الجميع وتقول لا شيء.
الفلسطينيون في سورية لم يكونوا يومًا ضيوفًا عابرين منذ أن حملت نكبة 1948 أولى قوافل اللجوء إلى دمشق وحلب وحمص. لم يأتوا كجسد غريب، بل اندمجوا في نسيج المجتمع، وسكنوا المخيمات التي تحولت مع الزمن إلى أحياء نابضة بالحياة، مثل اليرموك الذي لم يكن مجرد مخيم، بل عاصمة للشتات الفلسطيني وامتدادًا حيًّا لدمشق نفسها، هناك، لم تكن الهوية الفلسطينية عبئًا، ولا السورية بديلًا، بل تداخل إنساني صنع حالة فريدة من الشراكة.
وفي محطات التاريخ المفصلية، لم يكن الفلسطيني في سورية متفرجًا، في حروب المنطقة، وفي التحولات السياسية، وفي تفاصيل الحياة اليومية، كان حاضرًا، عاملًا، ومتعلمًا، ومقاتلًا أحيانًا، وشاهدًا دائمًا على ما يجري. لم يُعزل عن السياق، ولم يُعفَ من تبعاته.
وحين انفجرت الثورة السورية في أذار عام 2011، لم تكن هناك خطوط تفصل الألم، ما جرى في اليرموك من حصار وتجويع ودمار، وما شهدته مخيمات أخرى من نزوح وتشتت، لم يكن فصلًا منفصلًا عن المأساة السورية، بل جزءًا منها، دفع الفلسطينيون الثمن كما دفعه السوريون، بلا امتيازات ولا حماية خاصة. سقطت أوهام الحياد، وتكشّف أن من يعيش في قلب الجغرافيا، يعيش في قلب العاصفة.
أما الحديث عن “فتنة” بين الأشقاء، فقد أصبح أقرب إلى صناعة إعلامية منه إلى واقع ملموس. نعم، حدثت توترات، وظهرت روايات، لكن تضخيمها وتحويلها إلى عنوان دائم يخدم من يبحثون عن شقوق في الجدار الواحد، التاريخ القريب يقول غير ذلك: عقود من التعايش، والمصاهرة، والعمل المشترك، لا تُمحى بخطاب عابر ولا بحملات موسمية.
الحقيقة التي لا تحتاج إلى تزيين هي أن ما بين الفلسطيني والسوري ليس علاقة طارئة، بل مصير متداخل صاغته الجغرافيا والدم والتجربة، وما يُروَّج له كخلاف جذري، ليس إلا ظلًا مُكبَّرًا لوقائع أصغر بكثير.
في الختام، لم تعد المشكلة في الواقع، بل في الرواية التي تُكتب عنه، والفرق كبير بين من يعيش الحقيقة، ومن يستثمر في تشويهها، الفتنة ليست قدرًا يُفرض، بل مشروع يُصنع… ومن يعرف التاريخ جيدًا، يدرك أنها مشروع فاشل مهما طال الزمن.
في النهاية، يظلّ الفلسطيني في سورية فلسطينيَّ الانتماء والذاكرة، سوريَّ الهوية والهوى؛ قلبه معلّق هناك… وحياته منسوجة هنا، بين وطنٍ يسكنه، ووطنٍ يسكن فيه.
